إن القيم الإنسانية التي نشاركها تجعلنا متساوين في الاختلاف

Фотография: Елица Ганева


إن مارتينا هي جزء من فريق مركز إدماج اللاجئين والمهاجرين “سفيتا آنا” التابع لمنظمة “كاريتاس صوفيا”. وتعمل منسقة لمشروع بعنوان “نلعب ونتعلم”، الذي ينظم موظفو منظمة “كاريتاس” من خلاله أنشطة ذات طابع مسلي للأطفال والشباب المقيمين في مراكز الاستقبال التابعة لوكالة الدولة لشؤون الاجئين. وتشمل الأنشطة دروس في اللغة البلغارية، والعلوم، والفنون، والرياضة، ودورات تحضيرية في اللغة البلغارية للأطفال في سن المدرسة .

كيف كان لقائك الأول مع منظمة “كاريتاس” ولماذا بدأت العمل في المنظمة؟
كان اتصالي الأول بالمنظمة عندما بدأت كمتطوعة أدرِّس اللغة الأنجليزية للأطفال في مركز “فوينا رامبا”. وقد أعجبتني فعلاً الجوي في “كاريتاس”. إنني سعيدة بأنه عندما نمت وتوسعت الأعمال أتيحت لي فرصة لتقدم بطلب لتوظيفي في المنصب الذي أشغله حالياً.

ما الذي دفعك إلى مساعدة الناس الذين يلتمسون ويتلقون الحماية الدولية؟
هناك عوامل كثيرة أثرت على خياري. وفي المقام الأول سأشيرإلى الفكرة عن امكانية وقوع كل الواحد منّا في مثل هذا الموقف. فإذا لم نساعد بعضنا البعض، لا أعرف كيف كنّا نتمكن بالتصرف إذا وقعنا في وضع مماثل لذلك الذي وقع اللاجئون فيه وهم مضطرون على مغادرة وطنهم، ودارهم ، وترك الأسرة والأصدقاء.

ما هو الشيء أكثر الإرضاء في عملك؟
وبنسبة لي شخصياً، ليس هناك أكبرمكافأة من رؤية ما لا يقل عن عشرة أطفال يركضون مقابلي وينحالون عليّ تقبيلاً وحضناً وذلك عندما أزور مراكز اللاجئين في صوفيا.

ما هو أصعب شيء في عملك؟
نشعر بألم عندما لا نستطيع أن نساعد. لدينا حالة واحدة لأم تربي أطفالها الأربعة وحدها. وتقيم معهم في مركز “أوفتشا كوبيل”. إن أحد أطفالها مصاباً بمرض التوحّد لكنه لا يتلقى أية رعاية طبية في المركز. ومن الصعب جداً على هذه الأم أن تغلب على المتاعب. لا يمكننا أن نساعدها كثيراً لأنها لا تزال تلتمس الحماية وما تلقت بعد هذا الوضع.

من العسير عليك أن تدرك أنك عاجز عن القيام بأي شيء. يمكنك أن تساعد فقط على تنويع حياة هذه العائلة،،، أن تكون واحداً من الذين يتبادلون انطباعاتهم معك،،، ولكنك لا تستطيع حل المشكلة الرئيسية. تحضر الفتيات الثلاث لهذه المرأة الدروس في “كاريتاس”، أنهن يحبن كثيراً المعلمة – يبحثن عنها باستمرار ويعاملنها كصديقة التي يتبادلن معها كل الشيء. هن بحاجة إلى المخالطة والتبادل. ومع ذلك فهذا نوع من المساعدة، رغم أننا لا نحل المشكلة الرئيسية.

كيف تمر يوم من أيام عملك؟
إن أيام الدوام لجميع العاملين في منظمة “كاريتاس” ديناميكية جداً. نزور مراكز اللاجئين يومياً لنكون قادرين على التنسيق ورصد ما ي الاحتياجات فيها وما يمكن تحسينه. لا يشبه يوم الدوام ما بالأيام الأخرى.

على سبيل المثال كان الشهر الماضي مرتبطاً بالعديد من الرحلات إلى المركز الذي يقع في مدينة هارمانلي حيث بدأنا هناك بمزاولة نشاط جديد. انضم إلى فريق منظمة “كاريتاس صوفيا” 16 شخصا سيعملون هناك مع الأطفال والشباب والأمهات ذات الأطفال الصغار والأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، كما أنهم سوف يعلِّمون اللغة البلغارية للأشخاص الكبار.

أصبح ذلك تحدياً كبيراً للغاية لأنه كان علينا أولاً أن نقوم بتصليح المباني، التي سنستخدمها. وقد وجدنا قدراً كبيراً من المعارضة من طرف الشركات المحلية التي رفضت المشاركة في التصليحات. كان علينا أن نمسك الفرش ونشارك في الطلاء،،، وأصبحت الآن الغرف جميلة. اتضح أنه كان شخصان من الفريق رسامين. فرسموا صوراً وتمكَّنا سوياً من تغيير شكل المكان. وهكذا خصصنا هناك مكاناً محمياً حيث يتمكن الأطفال من الدراسة والتعليم فيه. ورتبنا أيضا غرفة مخصصة للنساء ،،، مكان حيث سيكون لديهن الوقت لأنفسهن فقط. وسوف يشاركن في حلقات الفنون والدروس في اللغة البلغارية والإنجليزية والجغرافيا.

إن “كاريتاس” هي المنظمة الأولى التي سمحت لها بدخول المركز في هارمانلي. وما تم حتى ذلك الحين تنظم أية حصص دراسية للمقيمين فيه وكانوا يقضون أيامهم بطريقة رتيبة. وبمجرد دخولنا المركز أصبحت حياتهم اليومية مليئة بأشياء جديدة وممتعة.

يكون نصف الأشخاص الستة عشر الجدد في فريق “كاريتاس” العاملين في مركز هارمانلي، هم لاجئون ويعيشون في المركز. وقد تلقى أحدهم الحماية، أما الباقون فما زالوا من الذين يتلمسون الحماية. ويحق لهم العمل في بلغاريا. إننا سعداء جداً بوجودهم – هم شباب مثقفون أكملوا تعليمهم العالي. وبسبب الحرب، كان عليهم مغادرة مسقط الرأس،،، وبالنسبة لهم هذه هي فرصة جيدة جداً.

ما هي ردود الفعل التي تواجهينها مع عائلتك وأصدقائك عن عملك؟
يقول لي العديد من معارفي بأنه: “يكون جداتنا وأطفالنا محتاجين وفي نفس الوقت تذهبين لمساعدة الآخرين”. أحاول أن أشرح لهم بأننا لا نأخذ من أطفالنا لنعطي للغرباء.
تعمل وتساعد منظمة “كاريتاس” مجموعة متنوعة من الفئات الضعيفة، بما في ذلك الكبار في السن والأطفال المعرضين للخطر والأطفال المحرومين. ويتجلى جزء من نشاطنا في مساعدة اللاجئين المحرومين أيضا.

وفي نفس الوقت قد انتشر بين اللاجئين القادمين إلى بلغاريا الرأي عن الطبيعة المأساوية للظروف في البلاد. لكنني لا أفكر بهذه الطريقة،،، بل أعتقد أن الكثير من مراكزنا في حالة لائقة. ونحن في جميع هذه المراكز نتعاون مع المنظمات غير الحكومية الأخرى، التي نعمل معها، لتحسين الظروف.

نحاول تغيير المفاهيم المسبقة المتكونة لدى كلا الجانبين، وليس ذلك بسهلٍ. وسيكون من الجيد جداً أن تبدأ وسائل الإعلام بانعكاس الأمور الإيجابية التي تحدث. وما تم ذكر ولا مرة واحدة جميع الأطفال اللاجئين الموهوبين الذين يشاركون في المسابقات، وعما يحدث في المراكز، عن المناسبات والأنشطة الإيجابية التي تتطور. وهذا مايمكن أن يغير المواقف السلبية.

هل تعتقدين أن المواقف السلبية تجاه الأشخاص الذين يلتمسون الحماية الدولية ويتلقونها قد تتغير إذا تتزايد الفرص للاتصال المباشر؟
ومن أكبر التحديات التي نواجهها في عملنا هو إدماج اللاجئين، إذ إنهم يعيشون في مراكز اللاجئين بطريقة مغلقة، وثم عندما يخرجون منها ويصبح يقيمون في المدن يستمرون من الجديد في مخالطة بعضهم البعض. ويتجلى السبب الأول في عدم إجادة اللغة البلغارية والثاني في خوفهم من السكان المحليين لإعتقادهم بأنهم غير مطلوبين وغير مرغوبين ولذا يستمرون العيش مغلقين في دائرتهم الضيقة.

للتغلب على هذا الوضع ننظم محافل مختلفة، التي توفر الفرصة للمخالطة المباشرة – وتكون المخالطة بالنسبة لنا مهمة للغاية للوصول إلى التكامل. على سبيل المثال في الحصص الخاصة بالفنون التي تنظم في مركز “سانتا آنا” بدأنا ندعو النساء البلغاريات بهدف المخالطة بالنساء اللاجئات. لقد نظمنا مؤخراً مهرجان التضامن الذي شارك فيه العديد من الناس. وننظم كل العام الاحتفال المسمى بـ”بابا مارتا المستعجلة”. وبدأنا نلاحظ تغييراً إيجابياً وسط السكان المحليين ووسط اللاجئين على السواء.

ما هو “ترياق السموم” ضد الخوف من “الشخص الآخر”؟
التعرف على الشخص الآخر – هذه هي الطريقة الوحيدة،،، أن تقترب منه وأن تسمح له مشاهدتك بأنه لا يوجد شيء رهيب في وجود ثقافة أخرى مختلفة،، لأننا من حيث الجانب الإنساني البحت نتشابهون جميعاً كل التشابه.

ما الذي يحفزك؟
يحفزني التمكن وبفضل عملنا، التأثير على وجهة نظر تكونها شخص ما بخصوص اللاجئين، فضلا عن رغبتنا في تغييرالرأي السلبي عند الاجئين حول بلغاريا. إنها لمكافأة عظيمة بالنسبة لنا عندما يأتي شخص إلى منظمة “كاريتاس” وبفضل التجربة الإيجابية يقرر البقاء والعيش في بلغاريا.

يأتي اللاجئون وموقفهم سلبي تجاه بلغاريا ، فالاختلاط الأول مع بلادنا يرجفهم إلى درجة ما بسبب مرور المعظم منهم عبر المراكز من النوع المغلق. وقد أخبرنا أحد اللاجئين القادم من مدينة حلب في سوريا، الذي تم نزوله في مركزمماثل بأن الأيام الخمسة التي عاش فيها في محلة ليوبيمتس قد أثرت سلبياً على تصوراته عن بلغاريا. والآن يعمل في منظمة “كاريتاس” ويكون سعيداً جداً ويريد البقاء في بلغاريا،،، هذا تحول كامل.

وأصبح ذلك الشخص مثالاً من أمثلة الاندماج الناجح. وهو الآن يقيم في مدينة هارمانلي وقد وجد العديد من الأصدقاء البلغار هناك. وعندما وصل إلى بلغاريا أصيب بصدمة نفسية واكتئاب عميق. كان لديه في سوريا حياة رائعة. نحن لا نقدر مثل هذه الوقائع بجدية. إن معظم الناس الذين يبحثون عن مأوى في بلدان أخرى قد تركوا منازلهم وسياراتهم وعملهم المربح، كما تلقى العديد منهم تعليماً جيداً،،، انهم ما هربوا لأنهم ما حققوا شيئاً بل لأنهم يريدون المحافظة على حياتهم.

ما هي العقبات لاحظتها من خلال عملك، التي تعرقل إدماج الأشخاص الذين يلتمسون ويتلقون الحماية الدولية؟
تندمج النساء بطريقة صعبة جداً. يعثرالرجال على الوظائف ويتعلمون اللغة البلغارية بشكل أسرع. وألاحظ أن النساء يواجهن صعوبة في ذلك لأنها يبقين في المنزل ويربين أطفالهن. ليس لديهن فرص كثيرة لقضاء المزيد من الوقت مع الناس من السكان المحليين. سيكون اللعب مع الأطفال البلغار مفيداً للأطفال اللاجئين ويجوز أن يتم ذلك في الحدائق والأماكن المخصصة للعب الأطفال.

ما هي في رأيك مزايا إندماج المزيد من الناس من مختلف البلدان في بلدنا؟
قد لا يتمكن المرء من السفر إلى الشرق الأوسط والتعرف على الثقافات المحلية هناك، بينما يتسنى للاجئين تحميل معهم ألوانهم وثقافتهم وهذا ما يجب أن نقيمه. هذا يتفتح التفكير، كما أنه يصبح مفيداً لأطفالنا أيضاً، الذين سوف يرغبون في يوم ما السفر والتعرف على الثقافات المختلفة. يجب ألاّ يخافون مما هو مختلف بالنسبة لهم.

وأعتقد أنه بإمكان اللاجئين الإسهام إلى حد كبير بواسطة مهاراتهم. تكون المطاعم العربية في صوفيا من المطاعم المفضلة لي. لديهم أطباق رائعة. أما المحلات التجارية في السوق النسائية فهي مكاني المفضل حيث أتعلم عن العديد من التوابل الجديدة بالنسبة لي. هذا وتكون النساء ماهرات جداً – يقمن بالحياكة وصنع المجوهرات الجميلة من الخرز وغيرها من المواد. وخلال الحصص الخاصة بالفنون تنظمها منظمة “كاريتاس” يبين لنا مواهبهن في هذا الاتجاه.

ما هي التوصيات التي ستقدمينها للحكومة البلغارية والإتحاد الأوروبي ولوسائل الإعلام في بلغاريا؟
إن الأطفال هم الأكثرأهمية. إذا يقوم الأطفال باندماجهم وتكاملهم ، ويصبح لديهم أصدقاء من وسط السكان المحليين، فحتماً هذا يعطي للآباء دوافعاً للاندماج. وهم إلى جانب الأطفال سوف يجدون أصدقاء وسط الآباء الآخرين. ولكنه يبقى إندماج الأطفال الناجح في المدرسة البلغارية في المرتبة الأولى من حيث الأهمية.

أود أن أوصي زيادة الإهتمام بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. هذا موضوع حساس للغاية،،، إنهم في وضع غير متكافئ تماماً. هناك ما لا يقل عن 20 طفل مقيمين في مركز “أوفتشا كوبيل” الذين لديهم احتياجات خاصة – وهم من أولئك الذين يعانون من أمراض أو صدمات شديدة مما واجهواه حتى وصولهم إلى بلغاريا،،، ولا أحد يهتم بهم.

وينبغي أيضا إيلاء الاهتمام بالأطفال غير المصحوبين بذويهم. لا توجد أماكن محمية مخصصة لهم في المراكز، ولا يوجد اختصاصيون لرعايتهم. بل يصبح الوضع أكثر تعقيداً عندما يحصل الطفل غير المصحوب الذي يتراوح عمره بين 8 و 14 عاماً على الحماية ويضطر إلى مغادرة مركز اللاجئين. فلا يحق لهذا الطفل إبرام عقد الإيجار ولا فتح حساب مصرفي. ولا يعرف أحد ما يحدث معه. وفي هذا الصدد هناك حاجة إلى إنشاء ووجود مركز لإقامة الأطفال غير المصحوبين بذويهم حيث يتم رعايتهم بطريقة مستمرة.

ويجب على وسائل الإعلام، من جانبها، أن تلتزم بإطلاع المجتمع على الأشخاص الذين يلتمسون الحماية، وبتصوير أنشطة اللاجئين وجهودهم للاندماج، بإظهار هؤلاء الأطفال الذين يصعب عليهم الانخراط في المدارس البلغارية ولكنهم يستمرون في الدوام وفي المحاولة، وبعرض الأمثلة والإنجازات الجيدة.

هل تعتقدين أن عملك مع الناس الذين يلتمسون الحماية الدولية ويتلقونها قد غيّر حياتك وانقلب أو عزز وجهات نظرك؟
بالتأكيد حطم هذا العمل الكثير من الصور النمطية لديّ. ما كنت مطلعة قط على ثقافة اللاجئين ، وبطبيعة الحال يرعب كل ما هو غريب وغير معروف. والآن أصبح لديّ بالفعل العديد من الأصدقاء بين اللاجئين – وهم موظفون في “كاريتاس” الذين يعيشون في مراكز اللاجئين وأرى أن لا شيء يفرق بيننا. لديهم خصوصياتهم الثقافية، لدينا خصوصياتنا أيضاً. ولكن لكل الواحد منا أهداف وقيم مماثلة في الحياة – إذا كوّن الشخص اللأجئ أسرة فتتجلى هذه الأهداف في تمتع أطفاله بصحة جيدة ودوامهم في المدرسة وتوفير لهم حياة أفضل. تجعلنا القيم الإنسانية التي نشاركها متساوين في الاختلاف.

هل هناك قصة شخصية تأثرت بها كثيرا؟
تكون قصص كل النساء القادمات إلى مركز “سفيتا آنا” لحضور الدروس والحصص الفنية مع أطفالهن مثيرة. ويبدأن أمام عيوننا التحدث باللغة البلغارية. من الأمور الإيجابية بالنسبة لي أن أرى كيف يتطورن وما مدى رغبتهن في تعلّم اللغة البلغارية.

يكون موظفو منظمة “كاريتاس” وبعضهم من اللاجئين مثالاً إيجابياً للغاية بالنسبة لنا جميعاً. وعلى الرغم من الرفض الأولي فقد تلقوا بالفعل وضع الحماية وبقيوا في بلغاريا حيث يذهب أطفالهم إلى المدرسة وأصبحوا يتحدثون باللغة البلغارية بطلاقة.

هناك العديد من القصص الإيجابية من حولنا. لدينا مثلاً زميل من أفغانستان مؤهل تأهيلاً عالياً. كان يعمل مدير بنك في وطنه وله خبرة جيدة في مجال التقنيات والكمبيوتر يفيدنا كثيراً ولذا أصبح حاليا أحد كوادرنا الأكثر قيمة. يداوم أطفالهم في المدرسة وقد أصبحوا مندمجين. ونحن سعداء جداً حتى ولو تنتهي قصة واحدة فقط بشكل جيد وسعيد!